ابن قتيبة الدينوري

113

الإمامة والسياسة ( بيروت )

فردّ سليمان عليه قال : بل ابنك المارق من الدين ، والشاقّ عصا المسلمين ، المنابذ لأمير المؤمنين ، فمهلا أيها الشيخ الخرف . فقال موسى : واللَّه ما بي من خرف ، ولا أنا من الحقّ بذي جنف [ ( 1 ) ] ولن تردّ محاورة الكلام مواضع الحمام ، وأنا أقول كما قال العبد الصالح [ ( 2 ) ] . ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) [ يوسف : 18 ] قال : ثم قال موسى : أفتأذن في رأسه يا أمير المؤمنين ؟ واغرورقت عيناه ، 306 فقال له سليمان : نعم ، فخذه ، فقام موسى فأخذه ، وجعله في طرف قميصه الّذي كان عليه ، ثم أدير في السماطين ، فوقع الطرف الآخر عن منكبيه ، وهو يجره لا يحفل به ولا يرفعه . فقال له خالد بن الريان : ارفع ثوبك يا بن نصير ، فالتفت موسى وقال : ما أنت وذاك يا خالد . قال سليمان : دعه ، حسبه ما فعلنا به . فلما توارى موسى قال سليمان : دعه إن في الشيخ لبقية بعد . ثم إن موسى التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة [ ( 3 ) ] فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر أمرا خفيا من نسبه [ ( 4 ) ] فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز ، فألفى ذلك باطلا ، وأن عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة ، مستقيم الطريقة ، فلما تحقق عند سليمان باطل ما رفع إليه عن عبد العزيز ندم ، وأمر بالوفد فأخرجوا ، ولم ينظر في شيء من حوائجهم ، وأهدر عن موسى بقية القضية ، التي كان سليمان قاضاه عليها ، وكان سليمان قد آلى قبل خلافته ، لئن ظفر بالحجاج بن يوسف وموسى بن نصير ليعزلنهما ، ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا . فلما رضي عن موسى جعل يقول : ما ندمت على شيء ندامتي ، أن لا كنت خلوا من اليمين على موسى في أن لا أوليه شيئا ، ما مثل موسى أستغني عنه . قال : وإن موسى دخل على سليمان في آخر يوم من شعبان عند المغرب ، وهو مستشرف على سطح وعنده الناس . فلما رآه سليمان قال : عندكم واللَّه من إن سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه وقد غمّ الهلال يومئذ على سليمان

--> [ ( 1 ) ] جنف : بعد . [ ( 2 ) ] إشارة إلى يعقوب عليه السلام ، أبو يوسف لما أخبره بنوه ، إخوة يوسف ، ما حصل ليوسف . [ ( 3 ) ] ابن أبي عبيدة ، تقدمت إليه الإشارة . وانظر جمهرة الأنساب لابن حزم ص 178 وفيه : فولد أبي عبيدة : حبيب قاتل عبد العزيز بن موسى بن نصير . [ ( 4 ) ] لعله بشير إلى نافع بن عبد بن قيس جد أبيه أبي عبيدة الّذي نخس بزينب بنت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم - مع هبار بن الأسود - إذ حملت من مكة إلى المدينة فأسقطت جنينا . ( جمهرة الأنساب لابن حزم ص 119 و 177 ) .